عبد الرحمن حسن حبنكه الميداني
87
معارج التفكر ودقائق التدبر
وهو الذي يخاف عذاب اللّه ، إذ يحاسب الخلائق على ما قدّموا وأخّروا في رحلة امتحانهم في ظروف الحياة الدّنيا وأحداثها ، ويقضي بشأنهم ، ويأمر بأن يساق أهل النعيم إلى الجنّة ، وأن يساق أهل العذاب إلى النار . ومعنى كونه منذر من يخشاها ، أنّ إنذاره النافع المفيد المؤثّر ينحصر فيمن يؤمن بها ويخشاها ، إذ لا يخشاها إلّا من كان مؤمنا بها ، ولو من مستوى أضعف الإيمان . وحتّى لا يستبعد السّائلون وقت قيام ساعة البعث ، للحياة الأخرى ، حياة الحساب ، وفصل القضاء ، وتحقيق الجزاء ، فيتهاونوا بالعمل الّذي ينجيهم من عذاب اللّه ، ويكون سببا في نيلهم السّعادة الخالدة في جنّات النعيم ، أبان اللّه عزّ وجلّ ، أنّ ساعة البعث ليوم القيامة ، ساعة قريبة جدّا من لحظة موت الأحياء في الحياة الدّنيا ، بالنّسبة إلى مشاعرهم ، وإدراكهم لمرور الزّمن ، إذ يلغى من القدرة على الإدراك فيهم الإحساس بمرور الزّمن ، حتّى تكون اللّحظة الزّمنيّة ومليارات السّنين ، بالنّسبة إلى مشاعرهم وإحساساتهم سواء ، فهم عند البعث يتصوّرون أنّهم ناموا نومة القيلولة بعد الظهيرة ، واستيقظوا ، أو ناموا نومة في الضّحى واستيقظوا ، فقال اللّه عزّ وجل : كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَها لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحاها ( 46 ) : أي : تكون مشاعرهم وإحساساتهم ، حين يبعثون ، ويرون أحداث يوم الدّين بعد ساعة القيامة ، مشابهة لمشاعرهم حينما كانوا ينامون نومة قليلة في النهار في الحياة الدّنيا ، عشيّة ، أي : في نصف النهار الثاني ، أو ضحاها ، أي : في ضحى هذه العشيّة ، وهو نصف النهار الأول . وهم في مدّة البرزخ مهما طال الزّمن ، لا يحسّون حين يبعثون ، إلّا أنّهم كانوا راقدين ، وأن ما ذاقوه من عذاب أو نعيم ، قد كان مشابها لآلام